محمد كرد علي
9
خطط الشام
راسل في طلب الصلح على أن يخرج شهاب الدين محمود إليه لوطء بساط ولد السلطان الواصل معه ويخلع عليه ويعيده إلى بلده ، فلم يجب إلى ذلك ، وتقررت الحال على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه . قتل شمس الملوك باتفاق رأي والدته مع أرباب الدولة في دمشق لما بدا من ظلمه واستصراخه الإفرنج بعد يأسه من معونة عماد الدين زنكي ، وكان جده طغكتين مثلا سائرا في غزوة لهم المرة بعد المرة ، ومداراتهم أحيانا بالحيلة ، وجمع أمراء الشام على قصدهم أبدا ، ومصانعة خلفاء بغداد وخلفاء مصر طلبا لنجدتهم ، ولو بالقليل من قوتهم المادية والمعنوية ، ولكن ابن ابنه سلك غير طريقته فقتلته أمه ورجال دولته . وكانت هذه الأعمال المنكرة من بعض صغار الملوك الذين لا يحرصون إلّا على مصلحتهم الخاصة ، وإذا تأثرت أقل تأثر عمدوا إلى وضع أيديهم في أيدي أعدائهم من موجبات بقاء الإفرنج في ثغور الشام وأنطاكية والرّها وطبرية والناصرة والقدس واستيلائهم على كثير من المعاقل . ولو لم يكن شجر الخلاف بين ملوك الفرنج في هذا الدور لسهل عليهم ملك المدن الأربع دمشق وحماة وحمص وحلب ، بالنظر لخلل الدول المستولية عليها واضطرارها إلى قتال أعدائها من المسلمين وأعدائها من الصليبيين ، بل وأعدائها في الداخل أمثال شمس الملوك . وللناقد البصير بعد هذا أن يقول إن دولة أتابك طغتكين كانت عزيزة الجانب في أولها فأصبحت ذليلة وعبئا ثقيلا على الشام بعد بطنين من مؤسسها . توحيد الحكم على يد زنكي وقضاؤه على إمارة صليبية : بعد تقلقل أمر آل طغتكين أخذت روح آل زنكي تسري في القطر ، فنهض سوار نائب زنكي في حلب سنة ( 530 ) فيمن انضم إليه من التركمان ، وجرد جيشه على الأعمال الفرنجية فاستولى على أكثرها ، وغزا اللاذقية وأعمالها بغتة ، وعاد من هذه الغزاة إلى شيزر ومعه زيادة عن سبعة آلاف أسير بين رجل وامرأة وصبي وصبية ومائة ألف دابة ، واجتاح أكثر من مائة قرية كبيرة وصغيرة فامتلأت الشام من الأسارى ورجعوا بهم إلى حلب ودياربكر والجزيرة . هذا ما وقع من الأحداث في العقد الثالث من القرن السادس ، وأهم ما حدث ظهور دولة عماد الدين زنكي صاحب الموصل في حلب وإيقانه أنه لا سبيل إلى دفع